ابن أبي العز الحنفي
513
شرح العقيدة الطحاوية
قوله تعالى : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ الانعام : 65 ، قال : « أعوذ بوجهك » أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ الانعام : 65 - قال : « هاتان أهون » « 793 » . فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض ، مع براءة الرسول من هذه الحال ، وهم فيها في جاهلية . ولهذا قال الزهري : وقعت الفتنة وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم متوافرون ، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو قرح أصيب بتأويل القرآن - : فهو هدر ، انزلوهم منزلة الجاهلية . وقد روى مالك « 794 » بإسناده الثابت عن عائشة رضي اللّه عنها ، أنها كانت تقول : ترك الناس العمل بهذه الآية ، يعني قوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ الحجرات : 9 . فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر اللّه تعالى ، فلما لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية ، وهكذا تسلسل النزاع . [ والأمور ] التي تتنازع فيها الأمة ، في الأصول والفروع - إذا لم تردّ إلى اللّه والرسول ، لم يتبين فيها الحق ، بل يصير فيها المتنازعون على غير بيّنة من أمرهم ، فإن رحمهم اللّه أقرّ بعضهم بعضا ، ولم يبغ بعضهم على بعض ، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد ، فيقر بعضهم بعضا ، ولا يعتدي ولا يعتدى عليه ، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم ، فبغى بعضهم على بعض ، إما بالقول ، مثل تكفيره وتفسيقه ، وإما بالفعل ، مثل حبسه وضربه وقتله . والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن ، كانوا من هؤلاء ، ابتدعوا بدعة ، وكفّروا من خالفهم فيها ، واستحلوا منع حقه وعقوبته . فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث اللّه به الرسول : إما عادلون وإما ظالمون ، فالعادل فيهم : الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء ، ولا يظلم
--> ( 793 ) صحيح ، وعزوه ل « الصحيحين » وهم ، فإنه من افراد البخاري كما يدل على ذلك تخريج ابن كثير إياه في « التفسير » ، والحافظ المزي في « التحفة » ( 2 / 251 ) . ( 794 ) لم أجده في « الموطأ » .